المستقبل المشرق لراديو الإنترنت

تؤكد استطلاعات الرأي والدراسات الحديثة تزايد عدد مستخدمي راديو الإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتتنبأ باستمرار هذا التصاعد على مدار السنوات القليلة المقبلة، وتكشف عن أن البث الرقمي يجني أرباحا متزايدة، فيما تتهاوى عائدات البث عبر الأثير. 

 

 

هذا عكس ما يحدث لدينا في مصر تماما: إذاعات الإنترنت تتلاشى، والمحطات التقليدية تزدهر عبر أجهزة الكاسيت في قرابة 6 ملايين سيارة، وأجهزة الراديو بالحقول والمنازل الريفية حيث لا تتوفر الكهرباء بالصورة الكافية.
مصر وأمريكا يسيران في اتجاهين متباينين في هذا المجال. الفارق يبدو شاسعا إلى حد مذهل، لكنه أمر ملهم، يفتح لنا آفاقا بلا حدود للنجاح والإبداع والتطوير.

 

مؤشرات النجاح
أوضح مركز "بيو" لبحوث الصحافة والإعلام، في تقرير نشر شهر أبريل الماضي، أن أكثر من نصف الأمريكيين (فوق 12 سنة) الذين تم استبيان آرائهم في استطلاع للرأي، عام 2015، أكدوا أنهم استمعوا لإذاعة عبر الإنترنت خلال الشهر السابق للاستطلاع، لافتا إلى أن هذا يعد مؤشرا للتزايد السريع في استخدام الإذاعات الرقمية لدى قطاع عريض من المستخدمين.
ذكر التقرير أيضا أن الإيرادات من الإعلانات في الإذاعات التقليدية (AM, FM) شهدت انخفاضا ملحوظا، فيما تصاعدت عائدات المحطات الرقمية، والإذاعات التي لا تبث عبر الأثير (off-air)، وضرب "بيو" مثالا بمحطة Sirius XM التي حققت زيادة في الإيرادات بلغت 10%، حيث ارتفعت إلى 4.2 مليار دولار في عام 2014، بعد أن كانت 3.8 مليار دولار في سنة 2013.
هناك أيضا دراسات تتنبأ باستمرار هذا الصعود. على سبيل المثال، يشير موقع "ستاتيستا" في إحصائية له، إلى أن عدد مستمعي الراديو الرقمي في أمريكا بلغ 93.1 مليون في عام 2010، ووصل إلى 160.2 مليون سنة 2014، وتنبأ الموقع بأن يرتفع العدد إلى 169.9 مليون بنهاية 2015، وأن يصعد إلى 191.6 مليون في 2019.
وحين تلقي نظرة على ترتيب محطات الراديو على الانترنت حول العالم في موقع اليكسا، ستجد أن بعض الإذاعات الرقمية تحتل ترتيبات متقدمة وسط مواقع الإنترنت العملاقة، على سبيل المثال، موقع Pandora الذي يتيح لمستخدميه تكوين قوائم موسيقية، وتقتصر خدماته على الولايات المتحدة، واستراليا، ونيوزيلندا، ينافس في قائمة أهم 100 موقع يستخدمها الأمريكيون، حيث يأتي في الترتيب 62 بينها، فيما يأتي في الترتيب 318 عالميا. وكذلك موقع NPR الذي يقدم نشرات إخبارية، وبرامج متنوعة، وموسيقى، ويمكن الاستماع له عبر الانترنت من أي مكان في العالم، يجيء في الترتيب 141 في الولايات المتحدة، و556 عالميا.

 

عكس المتوقع
من الصعب تقييم كل تجارب إذاعات الإنترنت في مصر في هذا المقال، فالتجربة ممتدة على مر أكثر من 10 سنوات، ومؤشرات الأداء تسير عكس التطور المتوقع: مع تزايد نسبة مستخدمي الإنترنت التي كانت 11% من السكان عام 2004 إلى قرابة 59% في مايو 2015، يتراجع الإقبال على إذاعات الإنترنت، ويتدنى ترتيبها بين المواقع، وتختفي تماما في بعض الأحيان.
طرحت سؤالا على زملائي الصحفيين، بصفحتي في موقع فيس بوك، وأيضا على مجموعة "منتدى قهوة الصحفيين"، للاستفادة من خبراتهم ومعلوماتهم. ذكر الزملاء عددا من إذاعات الإنترنت المعروفة إعلاميا، باعتبارها ناجحة، وهذا ما توقعته أنا أيضا في بداية الأمر، فهناك عملية تتم في أذهاننا تلقائيا، تربط بين الشهرة والنجاح.
لكن النجاح الذي قصدته في السؤال ليس الشهرة الإعلامية، بل هو: (1) تحقيق جمهور كبير من المستمعين. (2) جني إيرادات تجعل المشروع قادر على الاستمرار، والتطور، ويا حبذا لو أدر ربحا. 
هذان المقياسان للنجاح لم يتحققا في الإذاعات الإلكترونية الشهيرة، وهو ما دفع عدد من الزملاء للقول بأن  تجربة راديو الإنترنت في مصر فشلت، وأنها غير مؤثرة وغير مسموعة. وضرب الزميل محمد إسماعيل مثالا جليا بـراديو إلكتروني يصدر عن مؤسسة صحفية عريقة، وهي "الأهرام"، ينشر إعلانا عنه كل أسبوع تقريبا في الجريدة، لكن جمهوره محدود للغاية.
قمت بعد ذلك بجولة سريعة على اليكسا لمعرفة الترتيب المحلي والدولي لأشهر محطات الإذاعة الرقمية المصرية، والتي قصدت أن تكون متنوعة، لأن لتنوعها دلالة هامة، اتضح ما يلي: 
1- راديو حريتنا، واحد من أقدم تجارب البث الإذاعي عبر الانترنت في مصر، يقدم محتوى متنوع، ويضم شبكة من الإذاعات الإقليمية الصغيرة (مثل حريتنا بحري، صعايدة أونلاين، وبنهاوي)، يأتي في الترتيب 14,848 بمصر، و783,556 عالميا.
2- راديو محطة مصر الذي أسسه الإعلامي المعروف أسامة منير، 11,969 محليا، 509,002 عالميا.
3- وراديو دياب اف ام الذي يعد الإذاعة الرسمية للمطرب عمرو دياب، صاحب الشعبية الجارفة، 10,407 محليا، 742,332 عالميا. اللافت هنا أن صفحة الراديو على فيس بوك تحظى بقرابة 2 مليون معجب، لكن لا إقبال على الإذاعة نفسها. 
4- وراديو جول اف ام، الذي يهتم بكرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في مصر والعالم، يأتي في الترتيب 16,634 محليا، 942,622 عالميا.
5- راديو مصر، الذي شهد نقلة ملحوظة خلال الأشهر القليلة الماضية بعد أن تولت رئاسته الإعلامية مآثر المرصفي، يأتي في الترتيب 3,660 محليا، 280,148 عالميا. صحيح أنه الترتيب الأول بين أقرانه على الإنترنت، لكنه لا يناظر حضوره الفائق في الشارع المصري، حيث يستمع إليه ملايين المصريين عبر الأثير.

 

إمكانيات مذهلة
قال بعض زملائي الصحفيين إن تجربة راديو الإنترنت فشلت في مصر. هم على حق، واتفق معهم، فهذا هو الواقع. لكن، هذا الواقع نتج عن أن جميع تلك الإذاعات، كانت كمن انتقل إلى ساحة سباق السيارات الرياضية الحديثة، بجواده الرائع الذي عرف بأنه يكتسح أي سباق للخيول. 
دخل مؤسسو الإذاعات الرقمية في مصر إلى الإنترنت بنفس أسلوب البث عبر الأثير، تفتح صفحة أو نافذة فيبدأ الراديو في تقديم محتواه، لكن دون مؤشر يمكنك بسهولة من التنقل بين الإذاعات. إنه أمر ممل، خاصة مع سرعة الإنترنت الهزيلة التي يعاني منها المصريون، لتنتقل إلى إذاعة أخرى عليك أن تنتظر لكي تحمل صفحة جديدة.
في أمريكا، إذاعات الإنترنت تستغل الإمكانات المبهرة لتطبيقات الويب، حيث يستطيع المستخدم أن يختار ما يسمع وقتما يشاء، ويتنقل بين البرامج الحوارية، والموسيقى، والبث الحي، في موقع مصمم بعناية فائقة للتصفح السهل، وتعطي بعض المحطات الرقمية للمستخدم إمكانية تكوين المحتوى الذي يرغب في الاستماع إليه. 
الخلاصة هي: نعم حدث فشل بالفعل في إذاعات الإنترنت بمصر، لكن الحكمة تقول: تقبل الفشل كجزء من العملية. مستقبل راديو الإنترنت في مصر مُشرق... لا شك في ذلك، أكثر من 50 مليون مواطن يتاح لهم استخدام الانترنت في منازلهم ومكاتبهم، 24 مليون مستخدم للانترنت عبر الجوال، أي عشرات الملايين من المستخدمين المحتملين. 
لكن هناك شرط للنجاح، وهو أن يقرر المتسابقون ركوب سياراتهم الرياضية المتطورة عند دخول ساحة سباق السيارات، وأن يتركوا خيولهم الرائعة في مزارعها، ويصطحبوها معهم فقط عند دخول مضمار سباق الخيل.